الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ما كان شخص أحبّ إلينا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أوّلا وأحسن آخرا من ذلك اليوم . وأصل الردّ الصّرف والإرجاع قال تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ * [ الحج : 5 ] وهو هنا مستعار لتغيّر الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشّاعر ، فيما أنشده أهل اللّغة : فردّ شعورهنّ السّود بيضا * وردّ وجوههنّ البيض سودا و كافِرِينَ مفعوله الثّاني ، وقوله بَعْدَ إِيمانِكُمْ تأكيد لما أفاده قوله يَرُدُّوكُمْ والقصد من التّصريح به توضيح فوات نعمة عظيمة كانوا فيها لو يكفرون . وقوله : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ استفهام مستعمل في الاستبعاد استبعادا لكفرهم ونفيا له ، كقول جرير : كيف الهجاء وما تنفكّ صالحة * من آل لأم بظهر الغيب تأتيني وجملة وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ حالية ، وهي محطّ الاستبعاد والنّفي لأنّ كلّا من تلاوة آيات اللّه وإقامة الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - فيهم وازع لهم عن الكفر ، وأيّ وازع ، فالآيات هنا هي القرآن ومواعظه . والظرفية في قوله : وَفِيكُمْ رَسُولُهُ حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة ، ومنّة جليلة ، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم ، تلك المزيّة الّتي فاز بها أصحابه المخاطبون . وبها - يظهر معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم - فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري : « لا تسبّوا أصحابي فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » النصيف نصف مدّ . وفي الآية دلالة على عظم قدر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال : سماع القرآن ، ومشاهدة أنوار الرّسول - عليه السّلام - فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم . قال قتادة : أمّا الرسول فقد مضى إلى رحمة اللّه ، وأمّا الكتاب فباق على وجه الدّهر . وقوله : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي من يتمسّك بالدّين فلا يخش عليه الضّلال . فالاعتصام هنا استعارة للتّمسّك . وفي هذا إشارة إلى التمسّك بكتاب اللّه ودينه لسائر المسلمين الّذين لم يشهدوا حياة